سيد محمد طنطاوي

405

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( قاتَلَهُمُ اللَّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * دعاء عليهم بالطرد من رحمة اللَّه - تعالى - ، وتعجيب لكل مخاطب من أحوالهم التي بلغت النهاية في السوء والقبح . عن ابن عباس أن معنى * ( قاتَلَهُمُ اللَّه ) * طردهم من رحمته ولعنهم ، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن . . « 1 » . و * ( أَنَّى ) * بمعنى كيف ، و * ( يُؤْفَكُونَ ) * بمعنى يصرفون ، من الأفك - بفتح الهمزة والفاء - بمعنى الانصراف عن الشيء . أي : لعن اللَّه - تعالى - هؤلاء المنافقين ، وطردهم من رحمته ، لأنهم بسيب مسالكهم الخبيثة ، وأفعالهم القبيحة ، وصفاتهم السيئة . . . صاروا محل مقت العقلاء ، وعجبهم ، إذ كيف ينصرفون عن الحق الواضح إلى الباطل الفاضح ، وكيف يتركون النور الساطع ، ويدخلون في الظلام الدامس ؟ ! ! وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة : قد فضحت المنافقين ، وحذرت من شرورهم ، ووصفتهم بالصفات التي تخزيهم ، وتكشف عن دخائلهم المريضة . ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى ، لا تقل في قبحها وبشاعتها عن سابقتها فقال - تعالى - : [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 5 إلى 8 ] وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 6 ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا ولِلَّه خَزائِنُ السَّماواتِ والأَرْضِ ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّه الْعِزَّةُ ولِرَسُولِه ولِلْمُؤْمِنِينَ ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 )

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 10 ص 113 .